فقال:" اتقي الله واصبري"
قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي،ولم تعرفه،
فقيل لها :إنه النبي صلى الله عليه وسلم
فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم ،
فلم تجد عنده بوابين،فقالت: لم أعرفك،
فقال
"إنماالصبر عند الصدمة الأولى"
صحيح البخاري /23- كتاب الجنائز/ 31- باب زيارة القبور/حديث رقم 1203
--------------------
رواية مسلم :
قال مسلم في صحيحه :
و حدثنا محمد بن المثنى ،قال : حدثنا
عثمان بن عمر، قال: أخبرنا شعبة ، عن
ثابت البناني ،عن أنس بن مالك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أتى على امرأة تبكي على صبي لها
فقال لها:
" اتقي الله واصبري"
فقالت :وما تبالي بمصيبتي،
فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين،
فقالت: يارسول الله لم أعرفك!
فقال
"إنماالصبر عند أول صدمة "
أو قال
"عند أول الصدمة"0
صحيح مسلم /11-كتاب الجنائز/ (8)باب في
الصبر على المصيبة الأولى/ حديث رقم 1535
ثالثًا الشرح
قال المؤلف - رحمه الله تعالي-
فيما نقله عن أنس بن مالك- رضي الله عنه-
أن النبي صلي الله عليه وسلم
مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات،
وكانت تحبه حباً شديداً،
فلم تملك نفسها أن تخرج إلي قبره لتبكي عنده.
فلما رآها النبي صلي الله عليه وسلم أمرها
بتقوى الله والصبر.
قال لها: (اتقي الله واصبري)،
فقالت له
إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي) إليك عني أي:
ابعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.
وهذا يدل على أن: المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً،
فانصرف النبي صلي الله عليه وسلم عنها.
ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلي الله عليه وسلم،
فندمت وجاءت إلي رسول الله، إلي بابه،
وليس على الباب بوابون أي:
ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه.
فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك ،
فقال النبي صلي الله عليه وسلم :
(( إنما الصبر عند الصدمة الأولي)).
الصبر الذي يثاب عليه الإنسان
هو أن يصبر عند الصدمة الأولي أول ما تصيبه المصيبة،
هذا هو الصبر.
أما الصبر فيما بعد ذلك،
فإن هذا قد يكون تسليًا كما تتسلى البهائم.
فالصبر حقيقة
أن الإنسان إذا صدم أول ما يصدم يصبر
ويحتسب
ويحسن أن يقول:
( إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي ،
واخلف لي خيراً منها)).
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
أولاً:
حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام
ودعوته إلي الحق وإلي الخير،
( فإنه لما رأي هذه المرأة تبكي عند القبر،
أمرها بتقوى الله والصبر).
ولما قالت: (( إليك عني)) لم ينتقم لنفسه،
ولم يضربها ، ولم يقمها بالقوة،
لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها،
ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر.
فإن قال قائل :
أليس زيارة القبور حرامًا على النساء؟
قلنا بلي هي حرام على النساء ،
بل هي من كبائر الذنوب !!
لأن النبي عليه الصلاة والسلام
(( لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج))
لكن هذه لم تخرج للزيارة ،
وإنما خرجت لما في قبلها من لوعة فراق هذا الصبي
والحزن الشديد، لم تملك نفسها أن تأتي ؛
ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام
ولم يقمها بالقوة، ولم يجبرها على أن ترجع إلي بيتها.
ومن فوائد هذا الحديث:
ثانيًا:
أن الإنسان يعذر بالجهل،
سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال،
فإن هذه المرأة قالت للنبي صلي الله عليه وسلم :
إليك عني، أي: ابعد عني،
مع أنه يأمرها بالخير والتقوي والصبر.
ولكنها لم تعرف أن رسول الله صلي الله عليه وسلم،
فلهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام.