فكرة رااائعة للغاية
لنبدا على بركة الله
أخواتي الكريمات السلام عليكن ورحمة الله وبركاته
بعد أن عرفنا أهمية تدبر القران وفهمه قررت أن نبدأ بتدبر كتاب الله سورة سورة ونبدأ بسورة الفاتحة .
أسباب البدء بتدبر وتأمل سورة الفاتحة
أولاً:
نحنُ بين يدي سورة هي أعظمُ وأفضل سورة في كتاب الله ، القرآن كله تفسيرٌ لها..وشرحٌ مُجملٌ لها..
هي أم القرآن .. وأمُ الشيء في اللغة : أي أصله.. وقيل أيضاً: أعلاه.. فهي أفضل القرآن وأعلاه..وقد حَوَتْ جميع مقاصده ..
يقول ابن القيم رحمه الله:
" أعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتمَّ اشتمال ، وتضمنتها أكمل تضمن.. فاشتملتْ على التعريف بالمعبود تباركَ وتعالى بثلاثة أسماءٍ ..هي مرجِعُ الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدَارُها عليها..الله والرب والرحمن .... إلى أن قال: وتضمنتْ إثبات المعاد وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها..".
{ الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين } تعريفٌ بالخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله..
{ إياك نعبدُ وإياك نستعين }تعريفُ الطريق إلى الخالق .. وهذا لا يكون إلاَّ بعبادتهِ وعبادته لا تكون إلاَّ بشرعهِ..
{ إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } تعريفٌ بمن سلَكَ الطريقَ ، ومن جانَبه ، ثم معرفة مآلهم : إمَّا إلى جنةٍ أو إلى نار..
وبهذا جمعت الفاتحة مقاصد القرآن الثلاث الكبرى...
هي منحةٌ ربانيةٌ خاصة لنبينا محمد ولأمته.. لم تنزل على نبيٍ من الأنبياء قبله..
قال صلى الله عليه وسلم :[ والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ، ولا في الإنجيل ، ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها.. وإنها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أُعطيته ]... و وُصِفت بالسبع المثاني لأنها تُكرر قراءتها في كل ركعة..
هي النور الذي أُعطيه محمد ..
عن ابن عباس قال: " بينما جبرائيل عليه السلام قاعدٌ عند النبي سمعَ نقيضاً من فوقه فقال: (( هذا بابٌ من السماء فُتحَ اليوم ، لم يفتح قط إلا اليوم )) ، فنزلَ منه ملكٌ فقال: ((هذا مـلكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ))، فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يُؤتهما نبيٌ قبلك ، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرفٍ منهما إلا أُعطيته ".
هي الشافية التي تشفي القلوب والأبدان..
كما حصَلَ في قصة اللديغ التي ذكرها أبي سعيد الخدري فقال: " إن نفراً من الصحابةِ أضافوا حيّاً من أحياء العرب فلم يُضيفوهم، فلُدِغَ كبيرهم - لدغته حيةٌ أو عقرب - ولم يجدوا له علاجاً، فجاءوا إلى هؤلاء النفير من الصحابةِ فطلبوا منهم الرقية..فقالوا: إنكم لم تضيَّفونا ، وإنَّا لا نرقي إلاَّ بِجُعْلٍ: يعني بأجرْ..فحدُّوا لهم قطيعاً من الغنم فقام أحد الصحابة فقرأ عليه سورة الفاتحة، فقام الرجل وكأنما نَشِطَ من عِقال، فأخذوا الغنم ، ولكن لم يتصرَّفوا فيها حتى يستأذنوا رسول الله فَقدِموا على الرسول وذكروا له القصة فقال: " وما أدراك أنها رقية ؟" ثم إنه قال لهم: اقتسموا هذه الغنم واضربوا لي معكم بسهم، أو قال : إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ".
والمتأمل في الفاتحة يجد أنها سورةٌ أولها لله وآخرها للعبد، ووسطها مشتركٌ بين العبد وربه ..
كما جاء في الحديث القدسي :" قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: {الحمد لله رب العالمين} قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: { الرحمن الرحيم } ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي ، وإذا قال:{ مالك يوم الدين } قال: مجَّدني عبدي , وقال مرَّة: فوّضَ إليّ عبدي ،فإذا قال:{ إياك نعبد وإياك نستعين } قال: هذه بين وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فـإذا قـال: { اهدنا الصراط المستقيم صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهمْ غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ".
ويجدُ أيضاً أن أول هذه السورة رحمة ووسطها هداية وآخرها نعمة ..
وهذا الترتيب الثلاثي بين الرحمة والهداية والنعمة هو ترتيب مبنيٌ بعضه على بعض ؛ فمن رحمهُ الله هداه, ومن هداهُ فقد أنعمَ عليه.. فالنعمة الحقيقية تكون بالرحمة والهداية..
ومن مُجملِ ما تقدَّم ذكره من المزايا والفضائل نفهم لماذا كانت الفاتحة هي أفضل سورة في القرآن...
وعلى ذلك قال أهل العلم:
" إن تلاوة ًوتدبر ما كان مفضّلاً يترتب عليه من الأجر والثواب ما لا يترتب على غيره ".
فنحنُ نطمعُ في تدبرها وتأملها ومدارستها أن نحصّلُ على عظيم أجر الله ، وثوابه وعطائه .. فعطاء الله ليس كعطاء أحدٍ من خلقهِ ، فالعظيمُ إذا أعطى تفضَّل.. بل لا يستطيع أحدٌ من الخلقِ أن يَقْدُرَ قدرَ ذلك العطاء..
ولك في سورة الكوثر يا متدبر القرآن أعظم وأصدقُ وأروعُ مثال.. فتأمل...!
ثانياً:
قال ابن القيم رحمه الله:
" علم القرآن جُمعَ في المفصَّل ، وعِلمُ المُفصَّلِ جُمعَ في الفاتحة , وعلمُ الفاتحة جمع في {إياك نعبدُ وإياك نستعين}".
فإذا كان مرجع الدين كله إلى هاتين الآيتين :{إياك نعبدُ وإياك نستعين} ومدار العبودية والتوحيد قائمٌ عليها فحريٌ بنا أن نقف معها تأملاً وتدبراً وفهماً ، واستنباطاً وجمعاً لأقوال أهل العلم فيها..
فبقدر عمق القرآن وعظمته ؛ بقدرِ ما يجب أن نبذل من جهدٍ في فهمه وتدبره..
ثالثاً:
تدبرنا لسورة الفاتحة يُوصلنا لتحقيق مرتبة الإحسان في صلاتنا.. وهي أعلى مراتب الدين ، عرّفه رسول الله بقوله: [ أن تعبُدَ الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك ]..
قال الحافظ ابن حجر في الفتح :
" والمقصود بالإحسان : إتقان العبادة ، وإحسان العبادة الإخلاص فيها ، والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود". والمعنى أن تتعبد الله وكأنك واقفٌ بين يديه جل جلاله، مُستحضر قُربه مِنك واطِّلاعه عليك .. تستشعرْ أن الله يراك وأن الله يسمعك..
وهذا الإحسان يستلزم حضور قلبك .. قلبٌ يعي ويفهم ما يقرأهُ وما يردده ..
ليست الفاتحة عنده مجرد كلماتٍ وألفاظ حفظها منذ الصِغر ، وتدرَّب على قراءتها في كل صلاة.. بل الفاتحة معاني وفتوحات وأسرارٌ ومفاتيح يسعى لكي ينال بركتها ويُفتح على قلبه بها ، وهذا لن يكون إلاَّ إذا فعَّل حضور قلبه ولم يُعطِّله..
من أجل ذلك فقضية الصلاة بالذات تحتاج منَّا ليس إلى صبر فقط ؛ بل إلى اصطبار وفرقٌ بين الصبر والاصطبار.. فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى كما يقول أهل اللغة..
الله عزوجل يقول: { وأْمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ..}
الصبرُ قد يكون له حدٌ معين .. وقتٌ معين .. قوة معينة .. بينما الاصطبار كأن الآية تخاطبك لتقول لك: "اصبر صبراً فوق صبرك " أي تكلَّفهُ وزد فيه ..!
وقد نتساءل .. هذا الاصطبار نحتاجه في صلاتنا على ماذا تحديداً ؟
أولاً:
من جهة أن العبادات المنقطعة أسهل على النفس من العبادات المتكررة ، إذ أن الثبات على الشيء ولمدة طويلة هذا من أصعب الأشياء ، وأشقِّها على النفوس .. فأنت طيلة عمرك مطلوب منك أن تقوم لصلاة الفجر، وأن تقوم لصلاة العصر ، وأن تقوم لسائر الصلوات .. هذا الثبات وهذه والمداومة تحتاج إلى اصطبار وليس إلى صبرٍ فقط..
ثانيا:
ومن جهة أخرى يأتي الاصطبار حين نُرابط على حضور قلوبنا في صلاتنا ،والأصل الذي تستصحبه دائماً معك؛ أنه على قدر عنايتك بقلبك تؤجر..وحضور القلبِ المطلوب ليس في كل صلاة فحسب ؛ ولا في كل ركعة .. بل في كل قراءة ويصبح هذا همَّاً تحمله وشُعلاً تنشغل به .. أن تكون مُحسناً لا مؤدياً فقط..
يا معاذ لا تدع دُبر كل صلاةٍ أن تقول :[ اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسنِ عبادتك ] ورسولنا لم يقل: كثرة عبادتك ، أو طول عبادتك ، وإنما قال حُسن عبادتك ، هذا الإحسان الذي يترتب عليه الأجر.. فمتى كان الإحسان كاملاً كان الأجرُ تاماً.. ومتى نقص الإحسان نقص الأجر تبعاً له..
فالمُصلون كُثر .. ولكن المحسنين في صلاتهم قلة..
وأول طريق هذا الإحسان : أن تجمع قلبك حال قراءة الفاتحة ، فكل صلاة لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خُداج غيرُ تمام.. خرَّج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عند النبي قـال: [ من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خُداجٌ – ثلاثاً – غيرُ تمام ]..
نراكم في لقاء آخر نبدأ بتدبر الآيات
دائما مع صورة الفاتحة
منقول
تفسير سورة الفاتحة للشيخ ( ابن عثيمين رحمه الله)
سورة الفاتحة سميت بذلك؛ لأنه افتتح بها القرآن الكريم؛ وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة. هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سميت "أم القرآن"، والمرجع للشيء يسمى "أُمًّا".
وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ ومنها أنها رقية: إذا قرىء بها على المريض شُفي بإذن الله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: (وما يدريك أنها رقية).
وقد ابتدع بعض الناس اليوم في هذه السورة بدعة، فصاروا يختمون بها الدعاء، ويبتدئون بها الُخطب ويقرؤونها عند بعض المناسبات، وهذا غلط: تجده مثلًا إذا دعا، ثم دعا قال لمن حوله: "الفاتحة": يعني اقرءوا الفاتحة؛
وبعض الناس يبتدىء بها في خطبه، أو في أحواله - وهذا أيضًا غلط؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف، والاتِّباع. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}: الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يقدَّر فعلًا متأخرًا مناسبًا؛ فإذا قلت: "باسم الله" وأنت تريد أن تأكل؛ تقدر الفعل: "باسم الله آكل". قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقًا بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولابد لكل معمول من عامل. وقدرناه متأخرًا لفائدتين:
الفائدة الأولى:
التبرك بتقديم اسم الله عز وجل.
والفائدة الثانية:
الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به، ومستعينًا به إلا باسم الله عز وجل. وقدرناه فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، وهذه يعرفها أهل النحو؛ ولهذا لا تعمل الأسماء إلا بشروط. وقدرناه مناسبًا؛ لأنه أدلّ على المقصود؛ ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلّم - : (ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله)، أو قال - صلى الله عليه وسلّم - : (على اسم الله). فخص الفعل. و{اللَّه}: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له.
و{الرَّحْمنِ} أي ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن "فَعْلان" الذي يدل على السعة.
و{الرَّحِيمِ} أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن "فعيل" الدال على وقوع الفعل. فهنا رحمة هي صفته - هذه دل عليها {الرَّحْمنِ}، ورحمة هي فعله - أي إيصال الرحمة إلى المرحوم - دلّ عليها {الرَّحِيمِ}.
و{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}: اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر: أي الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة.
والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دل عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنة من إثبات الرحمة لله - وهو كثير جدًا؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله.
هذا وقد أنكر قوم وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوها إلى الإنعام، أو إرادة الإنعام، زعمًا منهم أن العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: (لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة؛ وهذا لا يليق بالله عز وجل)،
والرد عليهم من وجهين:
الوجه الأول:
منع أن يكون في الرحمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوك الأقوياء رحمة دون أن يكون منهم خضوع، ورقة، وانكسار.
الوجه الثاني:
أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة، ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق سبحانه وتعالى فهي تليق بعظمته، وجلاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقصًا بوجه من الوجوه.
ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله عز وجل: فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله عز وجل؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها - كإنزال المطر، وإزالة الجدب، وما أشبه ذلك - يدل على رحمة الله.
والعجب أن منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أن العقل لا يدل عليها، أو أنه يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلًا على الإرادة؛ ولا شك أن هذا صحيح؛ ولكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛
وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام: فإنك لو سألت عاميًّا صباح ليلة المطر: "بِمَ مطرنا؟ " لقال: "بفضل الله، ورحمته".
مسألة: هل البسملة آية من الفاتحة؛ أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة،ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة. ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله، وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا النص، وسياق السورة.
أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فإذا قال: {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. قال الله تعالى: حمدني عبدي،
وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي؛ فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، قال الله تعالى: مَّجدني عبدي،
فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين؛ وإذا قال: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6]. قال الله تعالى: هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل)، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة؛
وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلّم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان؛ فكانوا يستفتحون بـ{الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} لا يذكرون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} في أول قراءة، ولا في آخرها". والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر، وعدمه يدل على أنها ليست منها.
أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].
وهي الآية التي قال الله فيها: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)؛ لأن {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]: واحدة؛ {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]: الثانية؛ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] : الثالثة؛ وكلها حق لله عز وجل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]: الرابعة - يعني الوسط -
وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد؛ {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6] للعبد؛ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} [الفاتحة:7]. للعبد؛ {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7] للعبد.
فتكون ثلاث آيات لله عز وجل وهي الثلاث الأولى؛ وثلاث آيات للعبد وهي الثلاث الأخيرة؛ وواحدة بين العبد وربه وهي الرابعة الوسطى. ثم من جهة السياق من حيث اللفظ فإذا قلنا: إن البسملة آية من الفاتحة لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين؛
ومن المعلوم أن تقارب الآيات في الطول والقصر هو الأصل.
فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة كما أن البسملة ليست من بقية السور. 